مجمع البحوث الاسلامية
515
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الأصنام بالفعل ، وأمرهم أن يسألوا الآلهة عن ذلك لم يكن لدفع الجرم عن نفسه ، بل كان تمهيدا لإبطال ألوهيّة الآلهة . وبهذا المقدار من السّكوت وعدم الرّدّ ، قضوا عليه بثبوت الجرم ، وأنّ جزاءه أن يحرق بالنّار . ولذلك قالوا : حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ بتعظيم أمرهم ، ومجازاة من أهان بهم ، وقولهم : إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ تهييج وإغراء . ( 14 : 302 ) مكارم الشّيرازيّ : بالرّغم من أنّ عبدة الأوثان قد سقط ما في أيديهم نتيجة استدلالات إبراهيم العمليّة والمنطقيّة ، واعترفوا في أنفسهم بهذه الهزيمة ، إلّا أنّ عنادهم وتعصّبهم الشّديد أصبح مانعا من قبول الحقّ ، ولذلك فلا عجب من أن يتّخذوا قرارا صارما وخطيرا في شأن إبراهيم ، وهو قتل إبراهيم بأبشع صورة ، أي الحرق وجعله رمادا ! هناك علاقة عكسيّة بين القوّة والمنطق عادة ، فكلّ من اشتدّت قوّته ضعف منطقه ، إلّا رجال الحقّ فإنّهم كلّما زادت قوّتهم يصبحون أكثر تواضعا ومنطقا . إنّ المتعنّتين عندما لا يحقّقون شيئا عن طريق المنطق ، فإنّهم سيتوسّلون بالقوّة فورا ، وقد طبّقت هذه الخطّة في حقّ إبراهيم تماما ، كما يقول القرآن الكريم : قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ . إنّ المتسلّطين المتعنّتين يستغلّون نقاط الضّعف النّفسيّة لدى عامّة النّاس الجاهلين لتحريكهم عادة ، لأنّهم عارفون بالنّفسيّات وماهرون في عملهم . وكذلك فعلوا في هذه الحادثة ، وأطلقوا شعارات تثير حفيظتهم ، فقالوا : إنّ آلهتكم وإنّ مقدّساتكم مهدّدة بالخطر ، وقد سحقت سنّة آبائكم وأجدادكم ، فأين غيرتكم وحميّتكم ؟ ! لماذا أنتم ضعفاء أذلّاء ؟ لماذا لا تنصرون آلهتكم ؟ احرقوا إبراهيم وانصروا آلهتكم - إذا كنتم لا تقدرون على أيّ عمل - ما دام فيكم عرق ينبض ، ولكم قوّة وقدرة . انظروا إلى كلّ النّاس يدافعون عن مقدّساتهم ، فما بالكم وقد أحدق الخطر بكلّ مقدّساتكم ؟ ! والخلاصة : فقد قالوا الكثير من أمثال هذه الخزعبلات وأثاروا النّاس ضدّ إبراهيم ؛ بحيث إنّهم لم يكتفوا بعدّة حزم من الحطب تكفي لإحراق عدّة أشخاص ، بل أتوا بآلاف الحزم وألقوها حتّى صارت جبلا من الحطب ، ثمّ أشعلوه فاتّقدت منه نار مهولة كأنّها البحر المتلاطم ، والدّخان يتصاعد إلى عنان السّماء لينتقموا من إبراهيم أوّلا ، وليحفظوا مهابة أصنامهم المزعومة الّتي حطّمتها خطّته وأسقطت أبّهتها ! ! ( 10 : 173 ) [ وهناك مبالغات في التّفاسير في هذه الواقعة وهذه النّار تشبه الإسرائيليّات ] 2 - فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ . . . العنكبوت : 24 الطّبريّ : فلم يكن جواب قوم إبراهيم له ؛ إذ قال لهم : اعبدوا اللّه واتّقوه ، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ، إلّا أن قال بعضهم لبعض : اقتلوه أو حرّقوه بالنّار ، ففعلوا ، فأرادوا إحراقه بالنّار فأضرموا له النّار فألقوه فيها ، فأنجاه اللّه منها ولم يسلّطها عليه . ( 20 : 141 )